بدأ حياته كامقاتل شرس في الجيش المصري ولقي ربه كأحد كبار العلماء في القانون “أمير الغلابة”

 بدأ حياته كامقاتل شرس في الجيش المصري ولقي ربه كأحد كبار العلماء في القانون “أمير الغلابة”

بقلم د. عبدالله رشاد العباسي

ولد في شهر ینایر عام ١٩٤٥ بقریة العزیزیة التابعة لمركز منیا القمح بمدیریة الشرقیة وهي المحافظة الآن. فكان مولده مواكبا لفترة نهایة الحرب ً العالمیة الثانیة، بما فیها من أحداث جسام، لم تسلم مصر من تداعیاتها أثناء وبعد الحرب. وكان عماد الحكم الملكي لأسرة محمد علي آنذاك هو الإقطاع الز ارعي، حیث یمتلك مساحات شاسعة من الأرض الأسرة المالكة، والعائلات الكبیرة الثریة ذات النفوذ. ویعمل لدي هؤلاء سكان القرى من الفلاحین البسطاء، القانعین بمسكن من طین الأرض، وبمأكل من صنع أیدیهم، یكاد یسد الحاجة. وكانت أسرة (مرعي) هي صاحبة أرض العزیزیة وما حولها بكاملها تقریب . إلا أن العلاقة بین افرد تلك الأسرة والفلاحین كانت طیبة، یسودها الوئام والألفة، فلم یكن هناك ذلك الظلم والقهر، الذي كان یصطلي به زارع الأرض في أغلب الإقطاعیات الز ارعیة في مصر. ولم یكن عجیبا أن یخرج من أسرة مرعي المهندس سید مرعي، لیكون قائم الز ارعي، ودعم حقوق الفلاحین، بعد ثورة عام ١٩٥٢ ،في عهد جمال عبد الناصر. الأسرة كانت واحدة من تلك الأسر القرویة المستورة غیر المیسورة أو الثریة في العزیزیة، كانت تمتلك بضعة فدادین من الأرضي.

نشأ وترعرع الدكتور جوده جهاد حتى المرحلة الثانوية ثم التحق بالكلية الحربية وحصل على بكالوريوس العلوم العسكرية منها عام 1966.

وفي السنة الثانية من تخرجة اشترك في حرب 1967 وعين قائد مدفعية الدفرازوار في حرب الاستنزاف وأصيب أثناء الاشتباك مع العدو.منحه الرئيس جمال عبد الناصر نوط الشجاعة العسكري من الطبقة الأولى تقديراً لما قام به من أعمال تتصف بالشجاعة يوم 20-7-1969؛ هذه الأعمال صنفها التاريخ من أفضل الاستراتيجيات الحربية التي لايقوم بها سوى من لا يخاف الموت في أرض المعركة وكانت من الأعمال المتميزة في حرب 1967.

ملحمة شجرة الكافور.

مر عام ونصف بعد نكسة يونيو عام 1967 حتى صدرت الأوامر بالدخول في حرب الاستنزاف، بعد أن أصبح الجيش مستعداً لخوضها، وكنت حينئذ قائد سرية المدفعية بمنطقة الدفرسوار، وكان خط بارليف قد ارتفع إلى مستوى يصعب معه كشف مصادر النيران من داخل مركز الملاحظة المعد لهذا الغرض، فاضطررت للصعود ومعي التليسكوب والفرد القائم بتدوين البيانات إلى أحد أبراج المراقبة الخاصة بقناة السويس، وبمجرد أن وصلت البرج، أطلق العدو عليه قذائف دباباته، ووجدته يترنح في الهواء حتى سقط البرج بي واصطدم بالأرض.- جلست أفكر كيف أكشف مواقع العدو وأتمكن من تدمير دباباته التي تتحرك بسرعة خلف خط بارليف وتصعد على بعض التباب وتطلق النيران وترتد مسرعة، وعلى عكس ذلك كانت وحداتنا ثابتة يصعب تحرك عجلات مدافعها في أرض زراعية لينة، وهي في الخلف لمسافة خمسة كيلو مترات عن القناة، كيف أدير نيرانها إذن ؟- رأيت أمامي على شاطيء القناة شجر الكافور وما لبثت أن قفزت فجأة فكرة في رأسي، لما لا أدير النيران من أعلى تلك الأشجار، مختفياً خلف أغصانها الكثيفة، ولن يفكر العدو في استهدافها بالنيران لأنه من المستحيل تصور وجود مركز ملاحظة يدير النيران من أعلاها لسهولة اكتشاف الأفراد عند الصعود والهبوط.- قررت ومعي الفرد مدون البيانات الصعود ليلاً والبقاء طوال اليوم التالي على الشجرة لملاحظة تحركات دبابات العدو والهبوط مع حلول الظلام، وكان معنا معدات المراقبة، ووجدتني من هذا المكان أكتشف ما خفي من خط بارليف لمسافة تزيد عن خمسة كيلو مترات، ورأيت دبابات العدو ومواقعه ومدافع الهاون المتحركة والثابتة، كأني أشاهد فيلما سينمائيا يعرض على شاشة متسعة- وبدأت إدارة النيران وراحت المدافع تلقى قنابلها وتصيب الأهداف تلو الأهداف بدقة شديدة، وارتبك العدو وتوقفت حركة آلياته وأصيب بخسائر فادحة .- ظلت شجرة الكافور تحتضنني ومعي الجندي ومعداتنا القتالية لمدة ستة أشهر متتالية، وتكونت لديّ عقيدة من كثرة ما أطلقه العدو من قذائف تمر من حولي بأن العدو لن يصيبني أبداً، وتحدث الضباط والجنود عن بطولاتي. وكان يأتي بعض منهم ليلاً بملجأ ضابط المشاة القريب مني الملازم أول يحيى عامر لكي يتعرفوا على ضابط مدفعية الدفرسوار، وكانت تصيبهم الدهشة عند رؤيتي لظنهم أنني طويل وعريض كالمارد لا يتسع له باب الملجأ، بل كان يعود بعضهم ولديه خيبة أمل معتقداً أننا نسخر منه، بل كان منهم من يعلق بالقول بأنه ترك موقعه معرضاً نفسه للمساءلة من أجل رؤية بطل الدفرسوار، لكي تقولوا لنا “هو ده”.- نتيجة للخسائر التي لحقت بالعدو، بدأ يستخدم نوعاً من المدافع الصاروخية التي تحدث فزعاً ورعباً عند انطلاقها وانفصالها في الجو، وتحدث خسائر كبيرة في القوات والمعدات، وتنتقل من مكانها بسرعة قبل أن تسقط عليها طلقات مدافعي. ومكثت قادحا ذهني وحاشداً فكري في كيفية استخدام العدو للتباب التي تأتي منها تلك النيران، فلاحظت أنه يطلق النيران من ثلاث تباب متقاربة ثم سريعاً ما يختفي لفترة قصيرة ويرتد للتبة التي تليها وهكذا. وكان الحل الوحيد هو حساب الوقت بدقة الذي يستغرقه في الانتقال للتبة التالية، وكذا الوقت الذي يستغرقه وصول طلقات مدافعي لتلك التبة.- في هذه الأثناء رأيت أحد جنودي يصاب بإصابة مباشرة في ساقيه ويهرع إليه عدد من زملائه، وسمعت نداء الله أكبر، فأقسمت أن أسكت هذه المدافع الصاروخية وإلى الأبد.- أصدرت أوامري لموقع النيران بالاستعداد للضرب وبدأت التنفيذ مع الموجة الثانية ، وصادف أن أصابت قذيفة لأحد مدافعي صاروخاً للعدو لحظة انطلاقه ، فأحدث ذلك دويا هائلاً ودماراً شديداً، ورأيت من خلال التلسكوب الشظايا وجثث جنود العدو تتطاير في الهواء وتنتشر فوق مواقع الصواريخ كله. وسكتت تماماً مدافع العدو، وخرج جنودنا من الملاجيء يكبروا وهم في غاية الفرح. – كان لابد أن يبحث العدو عن المكان الذي تدار منه النيران ضده بهذه الدقة، وقد تمكن بفضل التقنيات الحديثة التي يمده بها الغرب، أن يكتشف شجرة الكافور.

وأراد أن يزيلها، وراحت دباباته وطائراته تقصف جميع أشجار الكافور، وشعرت بانتفاخ وسخونة شديدة في وجهي، وأمرت الجندي المدون بالنزول وإلا أنني لم أجده بجواري فقد أصابته قذيفة مباشرة في جسده وسقط على الأرض شهيداً، وقد شاهدت ساقي تنزف منها الدماء، ولم يكن لدي خيار سوى رفع يديّ في الهواء لأسقط على الأرض من هذا الارتفاع، وأنا لست أكثر من كتلة لحم تنزف منها الدماء، وتنتشر فيها التسلخات والكدمات، ملفوفة في ملابس عسكرية ممزقة، تلتصق بها بعض أوراق شجرة الكافور ويكسوها دم قاني، حاولت الوقوف فوقعت على الأرض وانثنت تحتي قدمي اليمني، وجدتها شبه منفصلة عن ساقي ولا تتصل به إلا بجزء صغير منها، وشعرت بدوار ثم فقدت الوعي وسمعت من يتلو عليّ الشهادة، ففتحت عينيّ لأتأكد أنني مازلت علي قيد الحياة، فلم أر إلا الشجرة فوقي وصوت تلاوة الشهادة يتردد، فحدٌثت نفسي أنني مت بالفعل ودخلت الجنة لأني شهيد، والملائكة هي التي تتلو عليّ الشهادة، أليس في الجنة أشجاروملائكة ؟!!- ورحت في غيبوبة مرة ثانية. ثم نقلت إلى مستشفى ميداني وطلب الطبيب نقلي بأقصى سرعة إلى مستشفى الحلمية العسكري حتى لا يبتر ساقي، وفي منتصف الليل حضرت طائرة هيلوكبتر ونقلتني إلى المستشفي العسكري بحلمية الزيتون ووجدت عناية فائقة، خلية نحل من أطباء متخصصين وممرضات، تعمل بسرعة ونظام بالغ الدقة، وأجريت لي عملية جراحية في الساق استغرقت عدة ساعات أشترك فيها طاقم جراحي عالي المستوى والخبرة في جراحات العظام والأوعية الدموية والأعصاب، ووجدتني في غرفة عناية خاصة بها الكثير من الأجهزة الطبية وتتمتع بإشراف دائم من الأطباء. حمدت الله كثيراً، فهاهي ساقي قد حافظ عليها بقدرته، وقضى بما شاء وهو يعلم أن الشهادة كانت أحب إليّ من الإصابة لألقاه راضيا مرضيا. وقد زارني زملائي في المستشفى وأخبروني بأن السيد رئيس الجمهورية الرئيس جمال عبد الناصر قد منحني نوط الشجاعة من الطبقة الأولى لما قمت به من أعمال تتصف بالشجاعة، وكان هذا خبراً سعيداً عوضني عن الإصابة، وجعلني أشعر بأن مصر كلها تكرمني على ما قمت به.

ملحوظة : هذه قصة واقعية وشهودها أحياء ومستنداتها موجوده وفي كل ذكرى لنصر أكتوبر المجيد تفتخر وسائل الإعلام المختلفة بذكرها كا كاأحد الأعمال البطولية في حرب 1967.

ثم بعد ذلك حصل على ليسانس الحقوق من جامعة عين شمس 1971 ولم يكتفي بذلك لحبه في طلب العلم فاحصل على دبلوم القانون العام 1974 ودبلوم القانون الجنائي 1975ودبلوم الكشف عن الجريمة بالوسائل العلمية الحديثة 1977 ثم حصل على الدكتوراه في القانون الجنائى عام 1983.

وعمل بالشرطة العسكرية والنيابة العسكرية والقضاء العسكري حتى أصبح رئيس محكمة عسكرية عليا من عام 1973 إلى 1986 وشتهر في هذه الفترة باللقب القاضي الرحيم لأنه كان يصدر أحكامه بناء على مبادئ كان يرددها ومنها “العدل فوق القانون”.

“ولا تضار ولدةً بولدها” ولهذا المبدي قصة عندما عرضت علية سيدة لمحاكمتها لاشتراكها في تزوير في أوراق ولدها الخاصه بالتجند أو ماشابة وهذا كان من فعل ولدها وكانت امرأة كبيره في السن فأخذت تبكي في قاعة المحكمة وتهتز من شدة الخوف فنظر القاضي الرحيم لها الدكتور جوده جهاد وقال لا تخافي يا أمي فلا تضار ولدةً بولدها واخلا سبيلها.

ثم اتجه للعلم والتدريس فا عين مدرساً بقسم القانون العام بكلية الشريعة والقانون عام 1986 ورقي فيها لدرجة استاذاً مساعداً عام 1990 ثم استاذاً عام 2002.

عمل رئيس لقسم القانون الجنائى بأكاديمية شرطة دبي الفتره من 1993 إلى 2010.

شارك في العديد من المؤتمرات الدولية والندوات العلمية وحصل على شهادات شكر وتقدير وثناء على مابذله من جهد وعطاء فكري.

أشرف وناقش العديد من البحوث العلمية المقدمة لنيل درجتي الماجستير والدكتوراه في القانون الجنائي.

له العديد من المؤلفات القانونية والأبحاث العلمية في التشريعات الجنائية لجمهورية مصر العربية ودولة الإمارات العربية المتحدة.عضو اللجنة الدائمة لترقية أعضاء هيئة التدريس بجامعة الأزهر.

اشتهر بعدة اللقاب في حياته وهي….

“أمير الغلابة” لكثرة أعماله الخيرية وحرصة على مساعدة الآخرين.

“رجل المعارك” لذكائة الشديد في وضع الخطط واستخدام أماكن المراقبه بدقة وذكاء شديد وإلحاق خسائر فادحة بالعدو.

“القاضي الرحيم” لرأفته بكبار السن عند إصدار أحكام ضدهم والوقوف مع الضعيف ضد القوى ومساندته حتى لو ضعفت ادلته عندما كان في القضاء العسكري.

“المربي الفاضل” لحبه لطلابه بل ابنائه لأنه كان يعاملهم كاابنائه وحرصه على إخراج جيل متعلم ومتميز في مجاله عرف بين أعضاء هيئة التدريس بتواضعه وكرمه ورقي أخلاقه ومكانته العلمية وحب الطلاب له.

وبعد هذه المسيره الطيبه من التضحية والعطاء والحب توافه الله في 18-4-2021.

الدكتور جوده جهاد “رحمه الله”

وداعـــــاً معلمي وداعـــــاً أميـــــــر الغلابــــــة ستظل الأمان الذي رحل و الضحكة التي غابت ستظل دائماً في دعائنا وقـــلوبــنــا ♡♡

لن أنسى فضلك أبدًا علي يا صاحب القلب الأبيض المليء بالنصائح والتوجهات والتصرفات الصائبة،جزاك الله عنا كل خير واسكنك الفردوس الأعلى من الجنة .

Dr Abdallah Alabasy

دكتوراه في الشريعة والقانون

اترك رد