الشهيد والشهادة

 الشهيد والشهادة

كتب / مصطفي مراجع الدامي

الحمد لله القائل:(وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وناصر المؤمنين ومعز الطائعين، ومذل العصاة ومخزي الكافرين. وأشهد أن سيد الخلق وخليل الحق محمدا الأمين، صح عنهﷺأنه قال:مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنَّ لَهُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ غَيْرُ الشَّهِيدِ فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ)اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه والسالكين دربه والمقتفين أثره إلى يوم الدين،معشر المسلمين والمستمعين، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فإنها النجاة اليوم وغدا والمنجاة دوما وأبدا،لقوله تعالى:(وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بمفازتهم لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)ثم وانتزاعا من قوله تعالى:(وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ)فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عباد الله إنه ومن باب وذكر أحببت أن أتحدث إليكم عن الشهيد والشهادة بمناسبة يوم الشهيد الذي يوافق الثامن عشر من فيفري،وللتذكير فإن إحياء الذكريات والتذكير بها من صلب ديننا إذا كان فيها ما ينفع الأحياء أو الأموات أوهما معا، فقط ألا تحيى بالإثم والعدوان، والمنكر والعصيان، وبما أن الحديث عن الشهيد فمن هو الشهيد،؟الشهيد هو ذلكم الشخص الذي يموت ليحيى غيره، هو ذلكم الشخص الذي يقدم نفسه الغالية رخيصة في سبيل دينه وأمته،وفي الشرع:هو من قتل في المعركة ضد أعداء الله لإعلاء كلمة الله،وسمي شهيدا قيل لأنَّ ملائكة الرَّحمة تشهده،وقيل لأنَّ الله وملائكته شُهود له بالجنَّة، وقيل لأنَّه حيٌّ عند ربِّه حاضر، وقيل لأنَّه يَشْهد ما أعدَّ الله له من النَّعيم ، وقيل غير ذلك. ولشهيد الحرب أحكام خاصة به،وهي أنه يدفن بدمه فلا يغسل،وبثيابه فلا يكفن ولا يصلى عليه، وهناك أصناف آخرون من الأموات أطلق عليهم مصطلح الشهادة ، إلا أنهم يغسلون ويكفنون ويصلى عليهم،هؤلاء هم من ذكرهم النبيﷺبقوله فيما صح عنه:(الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ:الْمَطْعُونُ شَهِيد، وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ،وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ،َ والْحَرِقُ شَهِيدٌ،وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيد، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ)وفي الصحيح أيضا عن سعيد بن زيد ـ رضي الله عنه ـ قال سمعت رسول اللهﷺيقول:(مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِل دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ،وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ،وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) هؤلاء كلهم شهداء يجارون من عذاب القبر،ولهم عند الله أجر عظيم،لكن شريطة أن يكونوا مؤمنين بالله ، غير عاصين له في عملهم الذي جاءهم الموت وهم يباشرونه،لقد بشر النبيﷺعمر وعثمان وعليا بالشهادة، ولم يمت أحد منهم في معركة،لقد وقف يوما النبيﷺعلى جبل أحد ومعه َأَبُو بَكْر, وَعُمَرُ, وَعُثْمَانُ فَرَجَفَ بِهِمْ،فَقَالَ:(اثْبُتْ أُحُدُ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ)وعليه فإن الذي يكون يمارس عملا تطوعيا أو غير تطوعي،ويكون مؤمنا بالله،وغير عاص لله في عمله،يصح أن يقال عنه شهيد من النوع الثاني،إذا توفي بسبب من الأسباب التي سبق ذكرها ، أو ما شابهها، لكن هل يدخل ضمن قائمة الشهداء ما يسمى بشهيد الوطن وشهيد الواجب وشهيد المهنة وشهيد العمل.. ..إلخ. والجواب أن هؤلاء وأمثالهم يمكن أن يكونوا شهداء من النوع الثاني إذا كانوا بالله مؤمنين، وفي عملهم له طائعين، وفي سعيهم للمجتمع والوطن نافعين،أما إذا كان أناس في مخمرة أو ملهى أو أي مكان يعصون فيه الله،فخر عليهم السقف، أو احترق المكان أو غرقت السفينة، أو ما إلى ذلك وهلكوا، أو كان امرؤ في عمله باحثا عن عورات المسلمين ومتتبعا لعثراتهم وسقطاتهم أو مسخرا جهده وطاقته وما يملك من عبقرية لاختلاق الشبه قصد الطعن في الدين كما يفعل بعض الإعلاميين، والكتاب والصحفيين، فهؤلاء وإن ماتوا غرقا أو حرقا أو تحت الهدم، أو ماتوا بالطعن والطاعون أو السرطان أو غير ذلك لا مكان لهم ضمن قائمة الشهداء، وإن سموا بذلك. أيها المسلمون: إن الذي رأينا فيما يخص الشهيد يصح عند الناس أن يسمى شهيدا،وهو من مات في ساحات الوغى محاربا لأعداء الله، لكن قد لا يكون عند الله شهيدا، وليس له عند الله في الآخرة من نصيب، يشهد لهذا المعنى ما ورد في الصحيح عن أبي موسى ـ رضي الله عنه ـ أن أعرابيا أتى النبيﷺفقال يا رسول الله:الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ وَيُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ مَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَﷺ:مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال :سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِﷺيَقُولُ:إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ:فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟قَالَ:قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ،قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ) هذه النصوص وما في معناها تنبه على خطورة النية والإخلاص وما لهما من تأثير في العمل سلبا وإيجابا،فحسن النية وإخلاص القصد لله يجعلان العادة عبادة، والقليل من العمل كثيرا، والصالح منه مرفوعا متقبلا، بينما سوء النية ، والرياء في العمل يجعلان الكثير من العمل لاشيء ، والصالح في ظاهره مردودا على صاحبه،والعبادة التي تقرب العبد من ربه جريمة يعاتب بل يعاقب عليها،فلنحذر أيها المؤمنون. ولنعد للحديث عن الشهيد وما له من فضل عند الله تعالى، لقد أخبر القرآن الكريم ببعض هذه الفضائل،قال تعالى:(وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)وفي الصحيح عن أنس ـ رضي الله عنه ـ عن النبيﷺقال:(مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنَّ لَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ غَيْرُ الشَّهِيدِ فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَة)وفي رواية من فضل الشهادة.وفي الصحيح أيضا عن عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ عن النبيﷺقال: (لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سبع خِصَالٍ يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ،وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ،وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ)والنصوص في الموضوع لا تكاد تحصى، ولما لهذا العمل الجليل من فضل وكرامة عند الله،فإن المؤمنين الصادقين على مر العصور وكر الدهور يتسابقون إليه، ويسارعون فيه، لقد تسابق سعد بن خيثمة وأبوه خيثمة: أيهما يذهب للجهاد مع رسول اللهﷺ فاستهما ـ اقترعا ـ فخرج سهم سعد فقال له أبوه:يا بني آثرني بها.قال: يا أبت إنها الجنة ولو كان شيء غيرها لآثرتك، وقد نقل القرآن مشهدا لطيفا لأناس سموا بالبكائين أَتَوْا النبيﷺفَقَالُوا:يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَدَبَنَا للْخُرُوجِ مَعَكَ فَاحْمِلْنَا.لأنهم فقراء ليس عندهم دواب يركبونها، ولما لم يجدوا عنده ما يحملهم عليه رجعوا باكين،قال تعالى﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) إلى أن نرى المزيد نسأل الله أن يلهمنا رشدنا ……. … ( خ ث )عباد الله ومما ينبغي أن يعلم هو أن شجرة الإيمان لا تخضر وتورق وتثمر، إلا إذا سقيت بدماء المخلصين من أبناء هذه الأمة،ولا أبوح لكم بسر إذا قلت لكم إنه لولا فضل الله الذي يرد إليه كل فضل، ثم جهود وجهاد المجاهدين قديما وحديثا لما بزغ فجر الإسلام في هذه الربوع وغيرها ولما نعمنا نحن بما ننعم به من إيمان وإسلام،إن الإسلام الذي ننعم به والذي هو أعلى وأغلى نعمة على الإطلاق، لم تأت به الرياح إلى ديارنا،ولم تنزل به الأمطار في ساحتنا، ولم تبلغنا إياه الملائكة الكرام،وإنما حمله إلينا رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ووضعوه أمانة بين أيدي أجدادنا وأجدادنا بدورهم قاوموا كل الصعاب،وتحملوا أقصى ما يمكن من المشاق من أجل المحافظة عليه وتبليغه إلى من يليهم من الأجيال، ومن أخطر الحقب وأصعبها التي مرت بآبائنا وأجدادنا في هذه الربوع خاصة هي حقبة الاستعمار بل الاستدمار الصليبي الحقود. فقد عمد المستدمر بعد الاحتلال إلى تجريدهم من كل أسباب القوة ، حيث أفقروهم وجهلوهم،وأثاروا بينهم النعرات الطائفية،وتأليب القبائل والعروش بعضها على بعض، من باب:فرق تسد،مرددين مقولة: حرض القبيلة الموالية على القبيلة المخالفة فلا تضطر لحمل السلاح، ووراء كل تلك السدود سد الحديد والنار،ومع ذلك حدثت المعجزة، مصداقا لقوله تعالى:(كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِين) وصدق من قال:إذا الشّعبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَاةَ فلا بعد أن يستجيب القدرْ. ولا بُدَّ لِلَّيْلِ أنْ يَنْجَلِي، وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَنْكَسِر. وفعلا انكسر القيد،وانجلى الليل، واندحر الطغاة الكافرون وأخرجوا خاسئين يجرون أذيال الهزيمة،وشرقت شمس الحرية والاستقلال، والفضل يعود لله أولا وآخرا، ثم لهؤلاء الذين منهم من قضى نحبه شهيدا نسأل الله أن يتقبله في الشهداء، ومنهم من ينتظر،نسأل الله له السلامة والثبات على الحق،وبما أن الشهادة أمر عزيز لها ما رأينا من فضل وما لم نر ، فلنحرص جميعنا على أن نكون شهداء، وذلك بصدق النية ،لما صح عن النبيﷺأنه قال:( من سأل الله الشَّهادةَ بصدقٍ، بلَّغه الله منازلَ الشُّهداء وإن مات على فراشه)اللهم ارزقنا قبل الموت توبة نصوحا، وعند الموت شهادة….اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، وأعل مكانتهم في الأخيار،بجوار النبي المختار،واجعلنا اللهم معهم في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر،ربنا آتنا … ربنا اغفر لنا ولوالدينا …ربنا اغفر لنا ولاخواننا

hamada

اترك رد