أمير القصور والأحلام الضائعة

 أمير القصور والأحلام الضائعة

بقلم – مروة الحمامصي

ظل حكم مصر حلماً يراوده منذ نعومة أظافره حتى آخر يوم في عمره , وهو الشيخ الذي اقترب من الثمانين , ولم يبق من الصحة ولا العمر بقية , والحال لم يعد كما كان فقد جاء الحدث الذي كان بمثابة زلزال هدم كل أحلامه السابقة .


إنه الأمير محمد علي بن الخديو توفيق , من أمينة هانم بنت ابراهيم إلهامي بن الوالي عباس وثان ابنائه , و الشقيق الذكر الوحيد للخديوي عباس حلمي الثاني ولد عام 1875 م , حصل على دراسته الابتدائية بمدرسة العليَّة بعابدين أو مدرسة الأنجال ما بين 1881-1883م , ، ثم أرسل إلى سويسرا لإستكمال دراسته، فدرس وشقيقه عباس حلمي بمدرسة “هكسوس” لدراسة العلوم العسكرية بجنيف ، ثم التحقا بمدرسة ترزيانوم بالنمسا، ثم عادا لمصر بعد وفاة والدهما الخديو توفيق سنة 1892م.


سبقه عباس حلمي في الجلوس على العرش (1892م ) فظلت آماله معلقة به , حيث كان ولياً للعهد ولكن عباس رزق بابنه الأمير محمد عبد المنعم (1899م ) , ثم قامت الحرب العالمية الأولى وأعلن الانجليز الحماية على مصر (1914م ) , وعزل الخديو عباس حلمي , وعين عمه حسين كامل بن اسماعيل سلطانا للبلاد , وتعاون الانجليز والسلطان حسين في إزاحته من مصر , فتم نفيه خارج مصر, واصدر السلطان حسين كامل قراراً بايقاف مرتباته ، فذهب إلى مونترو بسويسرا حيث سمح له بتحويل إيرادات أملاكه إليه. ولكن الإنجليز قلصوا مرتبه إلى 250 جنيه شهريا حيث اتضح علاقاته مع علي باشا الشمسي الذي كان يميل للسلطنة العثمانية عن الانجليزوخشية استخدام المال لدعم الحركات الوطنية بمصر ضدهم، ولكنهم وافقوا على اعطائه جواز سفر مع منعه من السفر إلى مصر أو أي من الدول التي حاربت إنجلترا.


ثم توفي عمه السلطان حسين كامل عام 1917م , وتنازل ابنه الأمير كمال الدين عن الحكم لعمه فؤاد بن اسماعيل , ويضيع الحلم في الحكم مرة أخرى , ولكن الأمير محمد علي استوعب الدرس جيدا وادرك أن المسيطر بالأمور , هم الانجليز فأصبح حليفا لهم , وجلس فؤاد بن اسماعيل على العرش مابين عامي (1917م : 1936م ) – من 1917م إلى 1922 م كسلطان لمصر ، ثم غير اللقب لملك مصر وسيد النوبة وكردفان ودارفور، بداية إعلان استقلال مصر في 15 مارس 1922 بعد تصريح 28 فبراير 1922 برفع الحماية عن مصر- وبعد وفاة فؤاد الأول أصبح أحد الأوصياء الثلاثة على العرش حتى إكمال ابن عمه فاروق السن القانونية، وكان لقوة شخصية والدته الملكة ناريمان مامنعه من السيطرة على فاروق .


ولكنه انتهز أول فرصة في الصدام المباشر بين فاروق و الانجليز في الحادث الشهير يوم 4 فبراير 1942م , حيث طالب سفير بريطانيا بتعيين مصطفى النحاس رئيسا للوزراء وكاد أن يخلع السفير الإنجليزي الملك فاروق عن الحكم و يجبره على التنازل عن العرش ويقوم بتعيين الأمير محمد علي توفيق ملكاً على مصر. خاصة وأن الامير محمد علي كان وليا للعهد لعدم انجاب الملك فاروق ذكرا يخلفه .ولكن لم يتم ما أراده الأمير محمد توفيق , وأصبح جزءًا من بروتوكول السفارة السفارة أن يزور أمراء البيت المالك البريطاني الأمير محمد علي عند حضورهم إلى مصر، واستمرت صلة الأمير بكل السفراء البريطانيين لمعرفته وخبرته بأحوال مصر .

وليس هذا فحسب بل كانت له صلات بالسفارة الأمريكية لبروز نفوذهم على الساحة الدولية . ثم يهرب الحلم من بين يديه مرة أخرى وينجب فاروق الأمير أحمد فؤاد الثان ليكون هو الوريث المنتظر , ثم يعود بعد قيام ثورة يوليو 1952م , وترحيل الملك فاروق وتولي ابنه أحمد فؤاد الثاني العرش فيراود حلم العرش الأمير محمد علي ولكنه لم يكن من الأوصياء على العرش – حيث كانوا الأمير محمد عبد المنعم بن الخديو عياس الثان وبهي الدين باشا بركات والقائم مقام رشاد مهنا – فيطلب مغادرة مصر عام 1952م إلى سويسرا , ثم تلغى الملكية في 18 يونيو 1953 م , ويتوفى الأمير محمد علي هناك في17 مارس 1954 م .


وأثناء رحلة الأمير محمد علي كأمير أسرة علوية وولي للعهد وحالم بالعرش بنى القصور الفخمة التي أرادها مقرا للحكم
فقام الأمير محمد علي باشا ببناء قصره بالمنيل عام 1901م ، على الطراز الاسلامي وقام بنفسه بوضع التصميمات الهندسية والزخرفية اللازمة، وأشرف علي كل خطوات التنفيذ، وتبلغ المساحة الكلية للقصر حوال 61711 متراً مربعاً منها خمسة آلاف متر هي مساحة المباني، وحوالي 34 الف متر للحدائق وحوالي 22711 متراً عبارة عن طرق داخلية وغيرها. والقصر به سراي الاستقبال وبرج الساعة والسبيل والمسجد ومتحف الصيد وسراي العرش والمتحف الخاص والقاعة الذهبية وحديقة تعد في حد ذاتها فريدة من نوعها.


تم البدء فى بناء القصر عام 1903م ، وأنشأ فى البداية سراى الإقامة ثم أكمل بعدها باقى السرايا،و تم الانتهاء من تشيده عام 1943. وقد تحول القصر إلى متحف قصر المنيل لما يتنوع في طرزه المعمارية من أندلسية وعثمانية ومملوكية و فاطمية و يضم ما يقرب من 20 آلف قطعة أثرية، يعرض منها 10 آلاف قطعة، وباقى القطع توجد داخل المخزن المتحف الخاص بالقصر.


وكذلك كان له قصرا آخر بالاسكندرية يسمى الآن قصر الصفا هو أحد القصور الرئيسية بمدينة الإسكندرية، وقد بناه كونت اليوناني استيفان زيزينيا منطقة رمل الإسكندرية، والتي سميت لاحقاً باسمه “زيزينيا” في نهاية القرن الـتاسع عشر . وكان إستيفان زيزينيا قد وقع في غرام هذه المنطقة المرتفعة برمل الإسكندرية فكان أول الأجانب الذين سكنوا تلك المنطقة وبنى قصرا هناك – وكان يعمل بتجارة القطن وأحد المقربين من الأسرة العلوية حيث منح أراضي كثيرة في القطر المصري ومن أعماله كنيسة سان ستيفانو التي تهدمت في ثمانينيات القرن العشرين الماضي وكذلك كازينو سان ستيفانو الشهير في عام 1887م وقد بدأت العائلات الكبيرة الثرية بعد بناء زيزينيا لقصره في بناء قصور وفيلات فخمة في هذا الحي حتي أصبح يتكون في البداية من عدد قليل من القصور الفاخرة وسط العديد من الكثبان الرملية ومجموعات من الأعراب الذين كانوا يستوطنون في تلك المنطقة وكانت به أراضي فضاء شاسعة مخصصة للعب كرة القدم لطلبة المدارس الأجنبية في أوائل القرن العشرين الماضي ثم أخذت تلك القصور والفيلات الفاخرة تتزايد أعدادها تدريجيا بعد ذلك علي مر السنين وقد تحول قصر زيزينيا إلى فندق جلوريا أوتيل بعد ذلك ثم إشتراه الأمير محمد علي وأعاد بناءه عام 1927م وأطلق عليه إسم قصر الصفا وهو الإسم الحالي له وقد إختار له إسم قصر الصفا تيمنا بجبل الصفا بمكة المكرمة وقد أدخل عليه الكثير من الإضافات والتعديلات مثل الآيات القرآنية الكريمة داخل القصر مكتوبة بخط أمهر الخطاطين فآية الكرسي توجد على مدخل القصر من الجهة البحرية وأسماء الله الحسنى مموهة بالذهب الخالص في قاعة الطعام أما المدخل الرئيسي للقصر فقد نقشت فوقه هذه العبارة كتب العز على أبوابها فإدخلوها بسلام آمنين وبالإضافة إلي ذلك تضم قاعة الشاي تحفاً رائعة حيث رسمت على جدرانها المساجد الفخمة في إسطنبول مثل مسجد السلطان أحمد أو المسجد الأزرق وقصر الخديو إسماعيل على ضفاف البوسفور بإسطنبول والمسمي بقصر إميركان والذى عاش فيه السنوات الأخيرة من عمره بعد خلعه عن عرش مصر عام 1879م وقصور سلاطين آل عثمان مثل قصر توب كابي وحديقة القصر بها نباتات نادرة مثل : نبات الكروتن وأصناف النخيل التي لا وجود لها إلا في هذه الحديقة وحديقة قصر النيل وقد دخل هذا القصر بعد ثورة يوليو عام 1952م ضمن القصور الرئاسية وهو حاليا معد لإستقبال ضيوف الرئاسة أو كبار الوزراء ورجال الدولة أثناء وجودهم في الإسكندرية ويعد من أهم معالم الحي .

Hagar

اترك رد