ظاهرة الانتحار..

 ظاهرة الانتحار..

بقلم /د. رمضان عبد المفيد

انتشرت في هذه الأيام ظاهرة الانتحار، والانتحار هو الفعل الذي يتضمن تسبب الشخص عمداً في قتل نفسه، ويكون ذلك –غالبًا- بسبب اليأس من الحياة، إما لأسباب اجتماعية أو لأسباب مادية أو لأسباب لمشاكل أسرية، والسبب الرئيس للانتحار – من وجهة نظري- هو البعد عن دين الله عزَّوجل، وضعف الإيمان والعقيدة، لذلك يتحتم علينا الحديث عن ظاهرة الانتحار، وكيف تناولها القرآن الكريم، وكذا السنة النبوية، وكيفية علاج ذلك، والطريق الآمن للنجاة من هذا الأمر.

معالجة القرآن والسنة لظاهرة الانتحار:
جاء الحديث عن هذه الظاهرة – قتل الإنسان نفسه- في القرآن الكريم، وكيفية علاج ذلك بكل وضوح، ويظهر هذا من خلال عدة آيات، منها:
قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) [النساء: 29].
فهذا أمر إلهي بعدم قتل النفس، فالآية حرمت قتل النفس بطريق الانتحار، وعن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا»؛ وذلك لأن «الاعتداء على النفس اعتداء على صنع الله، ولا يملك الإنسان نفسه، كذلك يحرم علينا أن يقتل بعضنا بعضا، فمن قتل غيره فكأنما قتل نفسه، فيستحق القصاص».

ولكن هل انتهت الآية؟ (لا)، فقد جاءت نهاية الآية باعثة الأمل لدى أولئك اليائسين الزاحفين نحو الانتحار، فقال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النساء: 29]؛ فهذا نداء من الله لعباده بالرحمة والتفاؤل والأمل.
(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا)[النساء: 30] قال ابن كثير: «أَيْ وَمَنْ يَتَعَاطَى مَا نَهَاهُ اللَّه عَنْهُ مُتَعَدِّيًا فِيهِ ظَالِمًا فِي تَعَاطِيه أَيْ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ مُتَجَاسِرًا عَلَى اِنْتِهَاكه؛ (فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا) [النساء: 30] وَهَذَا تَهْدِيد شَدِيد وَوَعِيد أَكِيد فَلْيَحْذَرْ مِنْهُ كُلّ عَاقِل لَبِيب مِمَّنْ أَلْقَى السَّمْع وَهُوَ شَهِيد».

  • المنتحر كافر أم مسلم؟
    المنتحر ارتكب جرمًا عظيمًا، وهو متوعد بالعذاب وهو مع ذلك مسلم وليس بكافر، ومن شدة جرمه قال فيه النبي: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا…».
    وروى الإمام مسلم في صحيحه باب ترك الصلاة على القاتل نفسه، حديثًا عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ( بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ».
    قال النووي :«النَّبِيَّ ( لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ زَجْرًا لِلنَّاسِ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِ وَصَلَّتْ عَلَيْهِ الصَّحَابَة».
    ونؤكد أنَّ المنتحر ارتكب جرمًا عظيمًا، وهو متوعد بالعذاب لكنه ليس بكافر، ويدل على ذلك حديث جَابِرٍ أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ، أَتَى النَّبِيَّ (، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنْعَةٍ؟ – قَالَ: حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ- فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ ( لِلَّذِي ذَخَرَ اللهُ لِلْأَنْصَارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ( إِلَى الْمَدِينَةِ، هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ (، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ، فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ (، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ) «اللهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ».

قال أبو العباس القرطبي: قوله : غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ : دليلٌ على أن الكبائر قد تُغْفَرُ بفعلِ القواعد.
وقوله : لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ : دليلٌ على أنَّ المغفرةَ قد لا تتناول محلَّ الجناية، فيحصُلُ منه توزيعُ العقاب على المعاقَبِ ؛ ولذلك قال ( اللَّهُمَّ ، وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ .

والظاهرُ أنَّ هذا الرجلَ أدركتْهُ بركةُ دعوةِ النبيِّ )، فغُفِرَ ليدَيْهِ ، وكُمِّلَ له ما بقي من المغفرة عليه ؛ وعلى هذا : فيكونُ قوله : لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ ممتدًّا إلى غايةِ دعاءِ النبيِّ ( له ؛ فكأنَّه قيل له : لن نصلحَ منك ما أفسدْتَ ما لم يَدْعُ لك النبيُّ ).

وهذا الحديثُ يقتضي أنَّ قَاتِلَ نفسه ليس بكافر، وأنَّه لا يُخَلَّدُ في النار، وهو موافق لمقتضى قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}، وهذا الرجلُ ممَّن شاء الله أن يَغْفِرَ له ؛ لأنَّه إنَّما أتَى بما دون الشِّرْك ، وهذا بخلافِ القاتلِ نفسَهُ المذكورِ في حديث جُنْدُب ؛ فإنَّه ممَّن شاء الله أن يعذِّبه».

  • سبب الانتحار وعلاج ذلك؟
    قال تعالى(وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النساء: 29]؛ فالانتحار سببه فقدان الأمل من كل شيء، ولذلك ينبغي أنَّ ندرك أهمية الحديث عن الرحمة في هذا الموضع بالـأخص.
    وعلاج ظاهرة الانتحار ينبغي أن يكون بغرس الأمل في نفوس أولئك اليائسين، وبذل الوسع في العناية بقلوب أولئك المحرومين.
  • نصيحة محبٍ:
    لا تيأس؛ فلعلك تدركُ ما فاتَ؛ وتصلحُ ما هو آتٍ، فتضئ جوانبُ حياتكِ كلهُا، وتُشْرِقُ الشمسُ على أركانِها، فَتُقِيمُ مملكةً معظمةً، محكمةَ البنيان منظمة.

Hagar

اترك رد