مقال

( فلسطين بين الغيب والشهادة )

بقلم الأستاذ الدكتور/ أحمد الشرقاوي

رئيس الإدارة المركزية لشؤون التعليم بقطاع المعاهد الأزهرية.

إن قضية فلسطين من أكبر القضايا الإنسانية العادلة في العصر الحديث، وهي لا تزال ميراثًا للأجيال الطاهرة بين غيب وشهادة، غيب من المجتمع الدولي والإنساني، وشهادة في سبيلها من شهداء أبنائها الأحرار- رجالًا ونساءً، شيوخًا وأطفالًا-، ولقد صمت العالم كثيرًا عن هذه القضية، وهي قضية عادلة تجري على أرض طاهرة، بيد أنها في أيد فئة ظالمة جائرة، لا تصون للإنسان عهدًا، ولا تعصم له دمًا، ولا تصون له عرضًا، ولا تحترم له حريةً، الأمر الذي جعل حياة هذه القضية ممزوجة بألم شديد وهوان أشد، هذا الألم الذي يعتصر قلوبنا وجعًا كل يوم بل كل لحظة يتجسد في مختلف المشاهد

اللا مقبولة فطرةً ولا دينًا ولا إنسانيةً، وعليه فإن ما يقع على أرض فلسطين الآن أو ينزل من سمائها إنما هو نَوع تعدٍ وعدوانٍ على قضية عادلة صاحبها شعب أعزل.

إن المعتدين من صهاينة العالم على هذه القضية لا يرقبون في فلسطين إلًا ولا ذمةً، فهؤلاء هم كفرة الجيران والجوار، لا عقيدة لهم تحكمهم، ولا دين ينتهون إليه، بل هم شرزمة ضالة تواترت أفعالها على الجور والتعدى والعدوان، وسلب حريات الآخرين، واحتلال أراضيهم، وتزوير حقائق التاريخ عمدًا، فضلًا عن التغبيش على الواقع المعيش في هذه الأرض المقدسة، وقد تولد عن ذلك حب السيطرة والعدوان والانتقام، وقد عجز العالم والمجتمع الدولي عن تحقيق أبسط معانى الأمن والأمان لهذا الشعب الأوحد الأعزل.

وهنا أقول إن إعادة السلام المفقود لا يتأتى إلا من خلال أصوله المعتبرة في دنيا السلام الإنساني، وأول هذه الأصول هو العدل الذي كثيرًا ما نادى به أصفياء الناس وأطهارهم، ذلكم العدل الذي جاءت به الأديان السماوية والذي يستوجبه واقع الناس الآن، بل إن واقعهم ليقطع بحتمية الإرتكان إليه والاعتماد عليه، إقرارًا به وتطبيقًا له على الناس كافة، ذلكم العدل الذي يتسم في أدنى درجاته المعتبرة بالعموم والشمول، فلا يفرق بين إنسان وآخر فجميع الناس في ميزان الحق والعدل سواء.

لذا فقد بات لزامًا التمسك بإجراء العدل وتطبيقه بين الناس كافة، وهو بهذا الوصف من أفرض الفروض الدينية، ومن أوجب الضرورات الإنسانية والحياتية، فلا يوجد السلام إلا إذا سبقه عدل يقترن به، وأمان يستمد منه، فلا أمن ولا أمان دون إجراء العدل وإرساء دعائم السلام، ولما كانت الساحة الفلسطينية تهتز أرجاؤها بأحداث الحروب المنكرة والإرهاب المقيت والعدوان الصهيوني الغاشم من خلال إيقاع ألوان العذاب المختلفة – قتلًا وتفجيرًا وتدميرًا-، فقد دفعت من جراء ذلك ثمنًا كبيرًا من الأرواح والأموال والدماء والأعراض لم تدفع مثله من قبل، بيد أن قضية تحرير فلسطين ستظل باقية مهما طال زمانها المعتبر أو غاب عنها عدلها المنتظر.

وانطلاقًا من هذه الاعتبارات كلها يأتي دور الأزهر الشريف؛ ليشارك في تحمل المسئولية تجاه هذه القضية، فيعمل جاهدًا على تقويض الفتن المتصلة بها أو المترتبة عليها، وقد أخذ على عاتقه واجب الدفع المستمر عنها باستنطاق العدل وإجرائه في الأوساط المعنية بهذه القضية كلها، بحسبان ما يترتب على تطبيق هذا العدل وجريانه واقعًا من إقامة الحقوق المقررة ودفع المظالم المنكرة، محذرًا بذلك مما يترتب على تفلت هذا العدل أو تخلفه من فتن أخرى متعددة، – قطعًا – تجلب الدمار وتورث الخراب في العمران، استجابة لما نادت به الأديان السماوية كلها في شأن وجوب تطبيق العدل منهجًا وسلوكًا وتصرفًا، إسعادًا للإنسان في بقاء كماله وتأمين حياته وضمان نمائه، وهنا يتجلى العدل في أسمى معانيه وأمتن مبانيه ليقرر أن جميع الناس في ميزان السلام العالمي سواء في جميع الحقوق والواجبات.

والسؤال الآن أين السلام الذي تغنت به الكيانات الدولية والحقوقية الكبرى في العالم الإنساني؟!، وأين العدل الذي تتزعمه هذه الكيانات وتدعى أنها هي صاحبه القيادة والريادة في إقراره ونشره في الأوساط الإنسانية المختلفة؟!، إن ما يجري الآن على أرض فلسطين نوع من التعدي والعدوان قد فضح – بجدارة – كل هذه الكيانات، التي كثيرًا ما قصمت عقولنا صداعًا وشغلت قلوبنا ليلًا ونهارًا بأنها صاحبة التطبيق العادل والجازم لمعانى السلام ودعائم الحرية، فهذه الأمور قد ناقضها الواقع بل حكم بكذبها وهشاشتها وبهتانها.

ومن أجل ذلك كله أخذت مصر على عاتقها – رئيسًا وحكومةً وشعبًا- واجب الدفاع عن السلام الحقيق، الذي به آمنت، وعليه نشأت وتربت، وعنه دافعت في هذه البقعه المباركة من أرض الله ـ عز وجل ـ بين خلق الله “تعالى”، إقرارًا وتطبيقًا- وأخيرًا فإن ما يفعله الفلسطينيون الآن إنما هو دفاع حق عن أرض مقدسة وعرض مصون ، كل ذلك يستوجب الوقوف معهم؛ نصرًا لقضيتهم العادلة وتخليصًا لهم من الصهيونية الغاشمة الظالمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى