مقالات الرأي

ثقافة شعب.. ما بين التهوين والتهويل كورونا covid 19 .. ما بين التوكل والتواكل

بقلم / أحمد القاضى

متابعة / محمد العكروت

بالتأكيد هو الأسبوع الأخطر في التاريخ المصري الحديث.. علينا جميعا أن نعي الدرس ونتعلم من تجارب موجعة ومؤلمة تمر بها دول ليست ببعيده عنا ، في البديات ومع سرعة إنتشار الفيروس واجهت هذه الدول تداعيات الموقف بإستهانة وإستهتار غير مبرر ، فقد تخيلت أنه مثل أي فيروس بسيط يسهل التعافي منه سريعا واحتمالية تنقله بين أفراد المجتمع قليلة أو منعدمة حتى خرج الأمر عن السيطرة وتحول من مجرد فيروس يهاجم فرد إلى جائحة تهدد الكبير والصغير ، الرجال والنساء والأطفال.

إتفقنا او إختلفنا مع الحكومة المصرية في أداءها وتعاملها مع إدارة الأزمات السابقة ، ولكنها وللأمانة في هذه الأزمة تعاملت بشفافية وصرامة في ذات الوقت مع تداعيات إنتشار الإصابات بالفيروس المستحدث وطلبت فعليا من كل طوائف المجتمع بتقليل التواجد في الشوارع وتخفيف حده الزحام كما أنها إستجابت لطلبات المجتمع بتأجيل الدراسة وتعليق الصولات الخمس في المساجد ، وبالتوازي تفاعل القطاع الخاص مع الأزمة بحنكة ومهنية من خلال المسئولية المجتمعية للشركات بتقليل عدد العمالة المتواجدة يوميا قدر الإمكان وقام بتفعيل العمل عن بعد والتشغيل من المنازل وذلك تجنبا لمزيد من الإصابات.

الحملات الإعلانية في كل وسائل الاعلام توجه المصريين وتطالبهم بتقليل التواجد في المناطق المزدحمة مع ضرورة الحفاظ على النظافة الشخصية وإستخدام كل سبل التعقيم المتاحة.. ولكن للأسف الشديد الكثير من الشعب المصري يتعامل مع الموضوع على إنها مزحة أو بإنها حرب أعصاب ، من حيث أنها مؤامرة كونية وحرب جرثومية بيولوجية بين الدول العظمي وأننا غالبا في منأى عن تلك الإصابات والعدد لازال محدوداً وتحت السيطرة ، أود أن أؤكد لهم بأن دولا عظمى وأقوي من بلادنا إقتصاديا وعلميا وطبيا فشلت وإنهارت أمام جبروت هذا الفيروس المستجد وإستسلمت أمام سرعة إنتشاره وحاليا يتم إجراء قرعة لإختيار المصابين على أجهزة التنفس الإصطناعي وإختيار الشباب منهم ورفض كبار السن، فليحفظنا الله من الوقوع في مثل هذا الإختيار فهو الأبشع في الحياة ، من منا يتحمل لا قدر الله أن يُنقل مصاباً بالفيروس إلى أي مستشفى ويرفضوا إستقبال أمه أو أبيه ويوضع هو بدلًا منهما على جهاز التنفس الاصطناعي.

فلتذهب التكنولوجيا والديموقراطية والتقدم والعولمة إلى الجحيم فقد ماتت الإنسانية.

إن ثقافة الشعوب ومستوى التعليم بها هو المعيار الأهم والأكثر تأثيرا في إستجابتها لمثل هذه الوسائل من التوعية والإرشادات ، جاء وقت شعرت فيه دول العالم الثالث التي لم تهتم بالتعليم الأمثل لأجيالها المتعاقبة وأهملته بالكلية بأن من تخاطبونهم ليس لديهم القدرة على فهمكم ولا حتى الإحساس بخطورة الموقف لأنهم وللأسف لا يدركون حتى أهمية حياتهم ، السبب الأكبر هو الفقر واضمحلال مستوى التعليم فيشعر المواطن أحيانا بإن بقائه في بيته أصعب عليه من خروجه للبحث عن رزقه أو حتى مواجهة الموت نفسه.

ان الكرة الأرضية تعزل نفسها ، كل دولة أغلقت حدودها تماما ، المطارات والمواني البحرية لا تستقبل أي زائر كما أن معظم زائري الدول الأخرى والجنسيات المختلفة غير قادرين على التنقل والعودة لبلادهم إلى حين فتح المجال الجوي العالمي.

ان مسئولي الفساد عبر العصور لن يستطيعوا حاليا الخروج من بلادهم لتلقي العلاج خارجها أو حتى الإستمتاع بأموالهم المسروقة في دول الراحة والرحرحة ، عليهم البقاء هنا وفي منازلهم الراقية ومنتجعاتهم المغلقة بالسياج في انتظار انكشاف الغمة مع سعيهم الحثيث لإقناع عامة الشعب والدهماء بالبقاء في منازلهم كي لا ينتشر الفيروس.

إن للكوارث والإبتلاءات أنواع محتلفة..فنحمد الله على ان هذا الإبتلاء له مقدمات وبإمكاننا توخي الحذر والتعامل معه بطرق عملية وإجراءات إحترازية مدروسة وتدريجية على عكس غيرها من الكوارث الطبيعية كالبراكين والزلازل والأعاصير والفياضانات فهي أكبر من تحمل البشر ولا سبيل من مواجهتها سوى رحمة رب العالمين وحده ، ومع أن هذا الفيروس اللعين التافة إنتشر في الكرة الأرضية بسرعة البرق إلا أنه ما زال هناك ثمه سبيل للتعامل معه والتغلب عليه بأمر الله وتوفيقه فمن رحمته بالبشرية بأنه لا ينتقل من خلال الهواء – ولكن سبل العدوى من خلال لمس سطح أو شخص محمل بالفيروس كما أن دورة حياة الفيروس 14 يوم فقط ونسبة الشفاء منه بفضل الله عالية ولكن الخطورة الأكبر على كبار السن وذوى المناعة الضعيفة.

دعواتنا لرب العالمين ألا ينتقل الفيروس من خلال الحيوانات أو الطيور كما نرجوه جل وعلىَ ألا يتحور الفيروس في الفترة المقبلة ويعيد تشكيل نفسه بشكل جديد حتى لا تكون طرق مواجهتة شرسة أو بالصعوبة البالغة حيث أن ذلك سيتطلب تسريع وتيرة البحث العلمي بطريقة لن تستطيع البشرية مجابهتها في الوقت الراهن.

أعتقد انها المرة الأولى على سطح الكرة الارضية أن تتحد كل دول العالم وتتفاعل في وقت واحد من أجل مواجهة عدو خفي ليس من بني البشر، فلا فرق هنا بين مسلم ومسيحي ويهودي ولا حتى وثني لا يعبد الله فكلنا جميعا نبحث عن النجاة ومن الجائز أن ندعوا لمن هم ليسوا على ديننا أو لا يعبدون حتى معبودنا الواحد الأحد بأن يوَفقوا لإنتاج مصل أو لقاح للحد من خطورة هذا الفيروس القاتل.

وعلينا أن نفرق هنا بين التوكل على الله والتواكل بلا عمل والاخذ بالأسباب:
التوكّل: هو تفويض الأمر لله سبحانه وتعالى في جميع أمور الحياة من العمل والدراسة والصحة والزواج وكسب المال، مع ضرورة الأخذ بالأسباب والسعي والتفكير للوصول للنجاح ، والإيمان بأنّ الله هو الميسّر للأمور وما أراد يحصل وما لم يرد لن يتم مع الحرص على تحقيق المراد والمحاولة والإصرار.

التواكل: هو عدم الأخذ بالأسباب أو السعي للحصول على الرزق بحجة أن الله الرازق، والتواكل يتنافى مع كل العقائد والكتب السماوية لما في التواكل من كسل وخمول والاعتماد على الغير. ومن هذا تدعوا الله بالشفاء من المرض دون أن تذهب للطبيب او تتعاطى الدواء فهذا يسمى بالتواكل، فإنّ الله يستجيب دعاء الذين درسوا، ثمّ توكّلوا عليه واعتمدوا على توفيقه ثمّ قيامهم بما وجب عليهم.

في نهاية هذا الطرح البسيط أود أن ندعوا للبشرية جمعاء أن يقيها الله شر هذا الفيروس اللعين وأن ينجي بني آدم من خطاياه التي لطخت كل جنبات المعمورة ، فكلنا مذنبون وفي حاجة ماسة لرحمة رب البشرية لا أستثني أحداً }وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ{ حتى كاتب هذه السطور يحمل من الخطايا ما لا يعلمه الا الله.

“إِنْ كُنْتَ تُرَاقِبُ الآثَامَ يَا رَبُّ، يَا سَيِّدُ، فَمَنْ يَقِفُ؟ لأَنَّ عِنْدَكَ الْمَغْفِرَةَ. لِكَيْ يُخَافَ مِنْكَ.” (سفر المزامير 130
إِنْ أَبْعَدْتَ الإِثْمَ الَّذِي فِي يَدِكَ، وَلاَ يَسْكُنُ الظُّلْمُ فِي خَيْمَتِكَ، حِينَئِذٍ تَرْفَعُ وَجْهَكَ بِلاَ عَيْبٍ، وَتَكُونُ ثَابِتًا وَلاَ تَخَافُ. حزقيال ١٨: ٢١- ٢

اللهم أغفر لنا وارحمنا ، وكن لنا ولا تكن علينا.

الوسوم

اترك رد

إغلاق