مقالات الرأي

نظريات حول الدولة.. الدولة الحديثة والأقباط والتكامل القومي (5/7)

[ad_1]

أثرت الدولة – ولا تزال – على عديد عمليات السياسة المصرية، وعلى إنتاج منظومات من المفاهيم السياسية والأمنية، تركز على الإجماع القسرى والوحدة الداخلية والاندماج وفق التصورات الإيديولوجية والدينية للحاكم والسلطة المركزية وتصوراتهم حول الأمن والحياة واستمرارية الحكم وضبط إيقاع الحياة وغالب تفصيلاتها حول المركز/ العاصمة.

راكمت الدولة المركزية/ النهرية تقاليد، وأجهزة بيروقراطية، بعضا من أنماط التفكير المستمرة والمتغيرة التى يتم توارثها والإضافة إليها من حاكم لآخر، من الغزاة والمستعمرين على كل المراحل التاريخية. تأثرت أوضاع الأقباط المصريين – بكل تاريخهم وتقاليدهم ومؤسستهم الدينية الأرثوذكسية الوطنية – ببعض سياسات الحكم الإسلامى على المسيحيين المصريين، وفق عديد المفاهيم الفقهية والمذهبية الإسلامية حول عقد الذمة التاريخى ومفهوم أهل الذمة، بكل ما انطوى عليه من مفاهيم وحقوق وواجبات ترتبت على هذه المنظومة، ومن ناحية أخرى على بعض الممارسات والتجاوزات والانتهاكات ذات الطابع التمييزى الدينى.

لا شك أن هذا النمط من السياسة الدينية أثر فى تشكيل الوعى الدينى والاجتماعى التاريخى للمسيحيين المصريين. مثلت التراكمات السلبية فى الوعى شبه الجمعى، نمطًا من الرأسمال التاريخى التمييزى من ناحية، ورأسمال دينى/ عرقى مواز يؤسس للاستمرارية المسيحية المصرية فى التاريخ حول التوحد القبطى/ العرقى! حول مصر وتاريخها ومواريثها فى إطار الجماعة/ المؤسسة الدينية.

تناسلت من هذه التراكمات لدى بعض المنظرين الأقباط ورجال الدين عديد المفاهيم حول الأمة القبطية، والأمة المصرية/ القبطية، وحول المصريين، والغزاة القادمين من الجزيرة العربية، ([i]) وشايعهم فى ذلك بعض من دعاة القومية المصرية – وبعضهم من المسلمين- كجزء من السجالات الماضوية مع دعاة الفكرة العربية الجامعة أو مفهوم الجامعة الإسلامية ذى المرجعية الإيديولوجية الدينية.

بعض المفاهيم السابقة وغيرها هى تعبيرات عن آليات سوسيو – ثقافية دفاعية، تؤدى إلى إعادة إنتاج التوحد والاندماج حول الدين/ المذهب/ العرق/ الوطن. بقطع النظر عن التقييم التاريخى، والسياسى، والاجتماعى للمدركات/ المفاهيم شبه الجمعية سالفة السرد، والتى تشكلت حول بعضها بعض من مكونات الذاكرة الجماعية للأقباط – إلى حد ما- ومعها أنماط من التنشئة الاجتماعية، والدينية تعيد إنتاج المقولات وآليات التوحد، وتجديد بعض عناصرها وصياغاتها من مرحلة لأخرى كى تستجيب لمتغيرات المرحلة واللحظة التاريخية على الصعد السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية والرمزية .. إلخ.

يمكن القول إن ثمة منظومة من المقولات التاريخية – والعابرة للمراحل على اختلافها – تشكل إحدى أدوات دمج الجماعة وتجديد وحدتها، واستمراريتها عبر تحولات الدولة والمجتمع المصرى عبر مراحل الزمان الرمزى والسياسى والدينى على اختلافها. تدور أساليب التنشئة الدينية والاجتماعية حول الرأسمال التاريخى القبطى، ويزداد اللجوء إلى المنظومة ورأسمالها الرمزى كلما أحس الوعى شبه الجمعى القبطى/ المسيحى ببعض من الوجل والتهديد والخوف من شيوع بعض من التمييزات والتحيزات فى توزيع الفرص السياسية والاجتماعية والثقافية، أو بعض من العنف والتشدد السلطوى والتزمت الدينى.. إلخ، على أساس الانتماء الدينى من الأغلبية المصرية المسلمة فى مواجهة الأقلية المصرية القبطية. من ناحية أخرى يتباعد هذا الرأسمال الرمزى فى الوعى القبطى شبه الجمعى المتمحور حول الجماعة/ المؤسسة الدينية الأرثوذكسية، والأساطير الرمزية – بالمعنى الإيجابى – الحاملة لها، كلما تزايدت مساحات المساواة والعدالة والتسامح فى العلاقة مع الدولة، أو فى نطاقات التعايش اليومى بين آحاد الناس عمومًا.

نستطيع القول إن أوضاع الأقباط فى إطار الدولة المصرية تحسنت نسبيا وتطورت منذ عمليات بناء الدولة الحديثة وأجهزتها حول مشروعى محمد على باشا، وإسماعيل باشا ودور نوبار باشا وما بعدهم من مراحل، ولا سيما فى ظل استعارة الهندسات القانونية الحداثية على النمط الأوروبى اللاتينى – الإيطالى والفرنسى والبلجيكى فيما بعد- مع عمليات تحديث أجهزة الدولة، وتأسيس هياكل دستورية ومؤسسات حديثة، التى رمت إلى التطور على النمط الغربى/ الأوروبى فى السياقات والجدل مع أنظمة التقاليد والأعراف والمفاهيم السائدة آنذاك، ومحاولات الدمج والانتقاء والحذف والاستبعاد لبعض المكونات فى نطاق الاستعارات الثقافية الأوروبية.

ارتبطت أوضاع الأقباط الحقوقية بالتطور السياسى والدستورى والقانونى الحداثى فى المفاهيم، والتحديثى فى أطر المؤسسات وهياكلها وقواعدها، وكلما تطورت القيم ومنظومات الأفكار الحديثة، اندمج الأقباط وشاركوا بفعالية وإيمان بالتقدم والتطور من خلال مشروع الحداثة عموما، والتحديث الذى شمل الدولة كما نهضت الدولة به. من هنا نستطيع القول إن مشاركة الأقباط فى الحركة الوطنية الدستورية المعادية للاستعمار الغربى – بتعبير وليم سليمان قلادة – وحول ثورة 1919 الوطنية ودستور 1923، أدت إلى رفض مفهوم ونظام التمثيل الطائفى النسبى فى الدستور وتركيبة البرلمان المصرى.

من هنا كانت الدولة ومؤسساتها الحديثة أحد أبرز اهتمامات المصريين الأقباط – وأيضا المسلمون- ومن ثم كان تلاعب الصفوة السياسية الحاكمة بالدين فى السياسة، ولا سيما بعد ثورة يوليو 1952، أحد أبرز التراكمات السلبية فى الوعى الاجتماعى والدينى والسياسى القبطى، ولا سيما فى ظل بعض التحيزات والتمايزات على أساس الانتماء الدينى فى تركيب المؤسسات السياسية، خاصة فى ظل نظام تأسس على التعبئة السياسية والدينية وراء المشروع السياسى التعبوى للسلطة الحاكمة منذ عهد الرئيس جمال عبد الناصر حتى مرحلة حكم الرئيس أنور السادات.

المراجع

([i]) ذهب الأنبا بيشوى أحد أساقفة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وسكرتير المجمع المقدس إلى أن المسلمين المصريين ضيوف على الأقباط، ويقول فى هذا الصدد “ماذا يعنى رفع يد البابا والأساقفة عن الكنيسة؟ ألا يكفى أن الجزية فرضت علينا وقت الفتح العربى، تريدون الآن أن تُصلّوا لنا وتقولوا “أبانا الذى” و”لنشكر صانع الخيرات”، وتقيموا الصلوات والقداسات؟ وعندما قيل له إن “المقصود أن تمارس الكنيسة واجباتها الدينية فقط وليس أى شىء آخر؟ قال “هذا شىء عجيب ومن يطالبون بذلك نسوا أن الأقباط أصل البلد نحن نتعامل بمحبة مع ضيوف حلّوا علينا ونزلوا فى بلدنا واعتبرناهم إخواننا “كمان عايزين يحكموا كنايسنا”، أنا لا أرضى بأى شىء يسىء للمسلمين، ونحن كمسيحيين نصل إلى حد الاستشهاد إذا أراد أحد أن يمس رسالتنا المسيحية، وإذا قالوا لى إن المسلمين سيرعون شعبى بالكنيسة، فسأقول: اقتلونى أو ضعونى فى السجن حتى تصلوا لهذا الهدف”، انظر فى ذلك صحيفة المصرى اليوم، ص 15، العدد الصادر فى 15/9/2010.

[ad_2]

Sorry! The Author has not filled his profile.
×
Sorry! The Author has not filled his profile.
Latest Posts

Comment here