رياضة

جلال أمين رحل وسؤاله باق.. ماذا حدث للمصريين؟

[ad_1]


ملخص

جلال أمين مفكر مصري كبير، لم تقتصر كتاباته على مجاله فقط وهو الاقتصاد، بل له العديد من الكتب التي كانت لها طابع فلسفي واجتماعي، لعل من أبرزها كتاب “ماذا حدث للمصريين”، الذي نتناوله في التقرير التالي.

قد تبدو لنا علوم الاقتصاد جافة، مبنية على الرياضيات، لا تُعنى إلا بالحقائق التي تقرها المعادلات، ولذا فالمتحدثون بلسانها يمتلكون نفس الصفات، فهم يرون العالم من وراء الآلة الحاسبة.. ربما تطبق تلك الرؤية على الكثير من الاقتصاديين، لكن ليس من بينهم الدكتور والمفكر جلال أمين، الذي آمن بأن الاقتصاد له طعم ورائحة، وأن الناس مقدمون على «الأرقام».

في عام 1996، دعت مجلة الهلال عددا من المفكرين بمختلف المجالات لكتابة مقالات حول التغييرات التي طرأت على المصريين خلال نصف قرن، وبالتحديد الفترة ما بين عام 1945، وحتى عام 1995، مستعرضين الأخطاء التي وقعوا فيها، ومقدمين أطروحات عن كيفية تداركها، وكان جلال أمين من بين هؤلاء، الذي اختار في بادئ الأمر أن يتحدث عن المرأة، ثم وجد نفسه يتشعب ويغوص أكثر في المجتمع المصري، ليكتب عدة مقالات، جمعها بعد ذلك في كتاب حمل عنوان “ماذا حدث للمصريين؟”.

الحراك الاجتماعي

في البداية تحدث “أمين” عن الحراك الاجتماعي، وهنا تناول من منظور “اقتصادي – اجتماعي”، كيف تغيرت طبقات المجتمع المصري خلال فترة نصف قرن تلك، وتحدث عن الأنظمة الاقتصادية التي تعاقبت خلالها، وعن أشكال الملكية والاستثمار، وهنا يعنينا حديثه عن “الانفتاح الاقتصادي” وتأثيره الكبير على الدولة، أولًا، اقتصاديًا من خلال اختلال ميزان المدفوعات، أي أصبحت نفقات الدولة أكبر بكثير من إيرداتها، ما دفع معدلات التضخم لأرقام ضخمة، ثم تطرق إلى أثره الثاني وهو الاجتماعي، حيث تسبب في ظواهر سلبية مثل تفشي انحدار الأخلاق وانحلال الأسرة.

المفكر الاقتصادي تحدث عن مفهوم الحراك الاجتماعي، الذي وقع خلال فترة النصف قرن، ويعرفه بأنه حالة انتقال الناس من طبقة اجتماعية معينة إلى أخرى، دون أن تتخلى عن عادات وتقاليد طبقتها الأم، ثم تحدث عن تغيير أنماط الاستهلاك، بمعنى أن هؤلاء الأغنياء الجدد، لم يعد همهم توفير “السلع الأساسية” كالغذاء، ولكنهم اتجهوا إلى شراء “السلع الترفيهية”، وكان دافعهم هو إثبات أنهم أصبحوا أغنياء.

1

المهم هو المادة

وعن الاستثمار ما قبل ثورة 52، أشار إلى أن اقتصاد مصر كان قائمًا على الملاك الإقطاعيين، فكان يعتمد على الإنتاج الزراعي، وبعد الثورة، لم يعد الحال كما هو عليه، بعد توزيع الأراضي الزراعية على الفلاحين، ليتحول الاقتصاد إلى الاستثمار الاستهلاكي، وأصبحت الثقافة المادية هي التي تطغى، ليطفو شعار “المهم هو المادة”، وهو المتبنى في الغرب، حتى على مستوى الكتاب، أصبحوا يسطرون مقالاتهم من أجل الراتب وليس المضمون كما كان الحال في عام 45.

وبعدما أسهب في الحديث حول “الحراك الاجتماعي”، أخذ يتحدث عن أثر هذا الحراك على طبقات المجتمع، فيقول إنه قبل 45، كانت الطبقة الأرستقراطية هي المسيطرة، ونسبتها 1% من المجتمع، وهي التي تملك الأراضي الزراعية، مستشهدًا بمقولة للرئيس الراحال جمال عبد الناصر: “إننا مجتمع 5%”،  ما “الوسطى” والتي تتكون من صغار التجار والموظفين وغيرهم 19%، والباقي، وهي نسبة 80% فقراء.

وبعد الثورة 52، والحديث لـ”أمين”، بدأ المصريون في الإقبال على التعليم، وتم توزيع الأراضي، وزاد التبادل التجاري الخارجي، وأصبحت نسبة الطبقة العليا 3%، لكنها لم تعد مكونة من نفس الأفراد ما قبل الثورة، أما “الوسطى” 45%، والفقراء 52%. 

ولا يمكن إغفال حديثه حول تأثير عودة المصريين بأموال الخليج خلال فترة السبعينيات والتي خلقت نوعا من الحراك الاجتماعي، مؤكدا أنه لا يحدث إذا كان المجتمع كله متشابه ونفس الطبقة، أما حين يوجد تفاوت في الطبقات يحدث هذا الحراك.

2

التعصب الديني

كاتبنا تناول أيضًا في مقالاته مسألة التعصب الديني، فهو يرى أنه ينبع من عدم حصول الإنسان على التقدير، وهو ما يقوده إلى الجنون، ولا يجد وسيلة ليصل إليه إلا من خلال اعتناقه أفكارًا متطرفة، واضطهاد من هم أقل منه قيمة، من وجهة نظره، كي يشعر بأن له مكانة.

الطبقة العليا ليس لديها تعصب، حسب “أمين”، لأنهم أغنياء يشعرون بقيمتهم من خلال ثرواتهم، أما الطبقة الدنيا فأفرادها راضون بحالهم، ويشعرون بقدرهم من خلال التدين، ثم يُقسم الطبقة الوسطى إلى فئتين “عليا” و”دنيا”، “العليا” مستقرة وتحصل على تقديرها من المجتمع، أما “الدنيا: “فهي من لديها التعصب الديني، وهي صاحبة الوضع المهدد؛ لأنها لا تشعر باستقرار، ودائما في خوف من السقوط إلى الطبقة الدنيا، لذا يمكن أن يكون من بين “أفرادها” المتعصبين.

شركات توظيف الأعمال

وعرج إلى شركات توظيف الأعمال (التي كانت نشطة بكثافة خلال فترة نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات)، فيرجع رواجها إلى ظهور ما سماه بالتفسير اللاعقلاني للدين، أي أن الفقراء وجدوا فجأة فرصة ليصبحوا أغنياء، وهي أن يضعوا أموالهم مع شركات توظيف الأموال، وينتظروا حدوث الضربة، والوصول إلى الثراء، وهنا استقطبتهم الشركات باستخدام الدين كستار، حيث إن الناس يرون أن هذا الشخص “المتدين” من المستحيل أن يكون محتالًا، واعتمد هؤلاء على حالة التضخم التي كانت تمر بها البلاد، والبنوك لم تقدم هامش فائدة جيدة على الإيداعات، مقابل الربح الكبير الذي يدعون بأن المتعاملين معهم سيحققونه.

أما “التغريب” فقد تحدث عنه من منظور الفئة الحاكمة وليس المجتمع كأفراد، فعقد مقارنة بين عصر 45، وحقبتي عبد الناصر والسادات، ففي عصر 45، كانت الطبقة العليا تحتك بالغرب، ولذا كان لديها خبرة، فيقلدون الجيد ويتركون السيء،  أما عبد الناصر، فحاول التخلص من الغرب ونادى للقومية العربية، لكن مفهومه لها وللنهضة العربية كان قاصرًا على الشكل السياسي فقط، وليس لديه مفهوم شامل، ولذا فهو يتحدث عن كراهيته للغرب في السياسة، لكن يقلدهم في الاقتصاد، وقد تبنى مفهومهم للاشتراكية (ربما قصد هنا الأحزاب الاشتراكية التي نجحت في أن تصل إلى الحكم بعدد من الدول الغربية مثل فرنسا، ولم تكن أنظمة الحكم نفسها شيوعية)، وأخيرًا السادات فكان، والكلام لـ”أمين”، متأثرًا بالنمط الأمريكي، واستشهد بولع الرئيس الراحل بالمسلسلات الأمريكية.

الريان

أسياد وخدم

يتابع المفكر حديثه، فيتناول تحت عنوان “أسياد وخدم”، مسألة تلمسه شخصيًا، لكنها تعكس حالة كانت رائجة في البلاد، فيقول إنه عندما كان طفلًا، كانت دائما لدى أسرتهم خادمة هي من الريف، وقد أرسلها أهلها للعمل، لأنهم لا يقدرون على أن يتكفلوا بمصاريف أبنائهم جميعًا، وكانت الفتيات لا يتجاوزن العشر سنوات، ولا يتقاضين أموالا، مجرد “أكلهن وشربهن”، ثم يقفز بالزمن إلى واقعه عام 1995، وكيف أن “الخادمات” لم يعدن موجودات، بسبب تغيير نمط الحياة، وهناك مجالات أخرى يمكن منها كسب الرزق.

وكان للوظائف الحكومية نصيب من حديثه، فيقول إنه قبل 1945، كان المثل الرائج هو “إن فاتك الميري اتمرغ في ترابه”، حتى إن والده عندما فكر في أن يجعله يعمل في مطبعة خاصة به، بدل أن يلتحق بوظيفة حكومية، لامه أقاربه وأصدقاؤه على طريقة التفكير تلك حتى عدل عنها، وقد تغير الوضع في التسعيينيات، وأصبح المصريون يجدون “الأمان” في افتتاح المشروعات أو الاستيراد والتجارة، وفق “أمين”.

أمه وابنته

المرأة كانت هي أساس مقالات “أمين”، وحينما أراد أن يتحدث عنها عقد مقارنة بين جيلي أمه وابنته، فيقول إن أمه كانت متعلمة، لكنها لم تكن تخرج من منزلها كثيرا، وكانت تقضي جل يومها في المطبخ، تعد الغذاء لأبنائها، الذين يخرجون لأعمالهم، ويعودون في أوقات متفاوتة، وكانت منهكة في البيت، ولا يشغلها غير أن تبقي على زوجها، فيقول إن العلاقة بينهما كـ”الحرب”، حسب وصفه، فهي تضع الخطط حتى لا تخطفه غيرها.

أما “ابنته”، فقد حصلت على مؤهل عال، وهي تعمل، تهتم بهندامها ومظهرها أكثر مما كانت أمه تفعل، وبعد أن تنتهي من عملها، تعود إلى زوجها وأبنائها، وهي مشغولة نوع ما بمسيرتها المهنية، وتملك نوعًا من الاستقلال الاقتصادي، وهنا علاقتها بالرجل ليست قائمة على الأمن الاقتصادي، ولكن لحاجتها إلى العاطفة.

تناول أيضًا حال اللغة العربية، وكيف أصبح المذيعون والإعلاميون لا يتحدثون بالفصحى، وأصبح الأشخاص يضيفون ألفاظا أجنبية إلى حديثهم كي يبدوا بمظهر “المثقفين”، ثم أشار إلى الهجرة، والتي كانت قبل 1945 تكون بصفة دائمة، أما بعد الثورة، جاءت الهجرات إلى الدول العربية بقصد جمع الأموال، حتى عانت مصر من قلة العمالة الماهرة.

من “غزل البنات” لـ”المنسي”

كان يرى أن أفضل طريقة للكلام بشأن “الازدواجية المجتمعية” هو ضرب مثل بفيلمي المنسي وغزل البنات.. في “المنسي” نرى البطل الفقير، الفنان عادل إمام، في صراع مع الشرير الغني، الفنان كرم مطاوع، ليجسد الفيلم الحالة التي أصبح عليها واقع مصر، وكيف يخشى الأغنياء من محاولة الفقراء لأن يصلوا إليهم، فيما يخشى الفقراء من إيذاء الأغنياء، أما “غزل البنات”، وهو من بطولة الفنان نجيب الريحاني، فكانت الحال مختلفة بل في نهاية الفيلم وصل الريحاني إلى حالة من الوفاق مع “الباشا”، بمعنى أن حالة الاستقطاب والصراع تلك لم تكن موجودة بهذا الشكل.

وبالنسبة للغناء فيقول إن ثورة 52 منحت الفرصة لظهور طبقات جديدة تعبر عن نفسها، واستشهد بالمطرب عبد الحليم حافظ، وأغانيه الخالدة والتي كانت تحمل معاني كبيرة، على عكس أغاني الحقبة الملكية، والتي لم تكن تعني شيئا، حسب تعبيره، ثم أشار إلى أنه وبعد ذلك، أخذ الوضع في الانحدار، وضرب مثل ببداية “انحطاط” الأغنية من ظهور “المونولجات”.

وبالنسبة للسينما، فكانت البداية من تجربة للممثلين من طبقة غنية، وأهلهم “اتبروا منهم”، مثل “الريحاني”، ثم بعد ذلك أصبح الممثلون من طبقات الشعب البسيطة، مثل زينات صدقي وشادية وعبد الحليم وهكذا.

جلال أمين صاحب رؤية شاملة، لم يقدم تحليلاته من منظور اقتصادي ضيق، بل حاول أن ينطلق من خلاله إلى مجال أرحب، يعرج على تأثير تغيير النمط الاقتصادي على الحالة الاجتماعية والثقافية والسياسية للبلاد، وقد نجح في تقديم تحليل مكتمل، ربما حمل وجهات نظر تختلف أو تتفق معها، لكنه دعمها بما لديه من علم واستدلال.

[ad_2]

Sorry! The Author has not filled his profile.
×
Sorry! The Author has not filled his profile.
Latest Posts

Comment here