مقالات الرأي

الجنون بالماضي هروب من الحاضر!

[ad_1]

كل الرسائل والتعليقات التي تلقيتها في بريدي حول مقالتي التي كتبتها قبل أسبوعين عن إشكالية الحنين إلى الماضي البعيد وإلى الأيام الخوالي تنتهي ببكائية (يا ميت خسارة) و(لقد عشنا فعلا.. هذا الزمن الجميل) و(من فات قديمه تاه) وكنا.. وكنا.. وكنا!!

وعلى الرغم من جماليات الدموع التي تقطرها تلك القلوب الموجوعة من (شباب اليومين دول).. وأحوال هذا الزمن وأجياله..

وعلى الرغم من أن أصحابها مقيدون في سجن العمر وهو سجن يملكه كل واحد منهم.. وكأنهم لا يريدون مغادرته ولا كسر قضبانه الحريرية.. والركض في ساحة الأيام الراهنة..

وعلى الرغم من أن كلماتهم مشحونة بالتأوهات والشعرية على شاطئ التنهدات..

فإنني لا أتماهى معهم.. ولا ينبغي.. إلا لمجرد التلذذ بأصداء الأصوات..

الاستنساخ مرفوض.. وعودة عقارب الساعة مستحيل.. واستدعاء الأمس على حساب اليوم مقامرة خاسرة.. واسترجاع الذكريات فوق أوراق اللحظة الراهنة المتعينة باجتماعيتها وتاريخيتها هي مسألة تدخل في خزانة التاريخ..

الماضي لا يمكن أن يعود.. حقيقة..

والتاريخ لا يعيد نفسه.. ومن يصدق ذلك فهو واهم..

لا شيء يقتل الحيوية في الحياة مثل الاستغراق في الاستدعاء.. إنه صراخ في الآبار القديمة ليس إلا..

واستنساخ شخص مهما كان رمز بطولة.. ضرب من المستحيل، فكل شخصية لها زمانها ومكانها وظروفها.. وكل عصر له مشكلاته وقضاياه ورجاله حلوها بطريقتهم فلا ينبغي لنا أن نقلد ونعيش إشكالياتهم.. فتتحول المسألة عندنا إلى حلول تبحث عن مشاكل!

كفانا التمثل بقول الشاعر امرئ القيس في الجاهلية:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

تصوروا وقوف وبكاء معا…

لا يبتعد هذا المعنى عن معنى حديث لشاعر الأطلال إبراهيم ناجي:

يا فؤادي رحم الله الهوي

كان صرحا من خيال فهوى

اسقني واشرب على أطلاله

وارو عني طالما الدمع روى

كيف ذاك الحب أمسى خبرا

وحديثا من أحاديث الجوى

وفي الفقه أيضا.. نجد العجب العجاب.. نسجن فكرنا الفقهي في أربعة مذاهب ولا نجدد ولا نفكر بطرائق عصرنا وأدواته المعرفية والعرفية والأخلاقية والجمالية.. مع كل التوقير لعلمائنا الأفاضل فهم مصابيح فكرية معلقة في فضاء الفكر الإسلامي مرتبطة بزمانها ومكانها ومناخاتها..

وفي السياسة لا نزال نتشبث بزعماء رحلوا ورحلت أفكارهم واختبأت خلف أسوار الماضي.. ولم تعد صالحة بأي شكل من الأشكال.. فهي ابنة وقتها وظروفها..

وفي الاقتصاد.. وفي المجتمع.. وفي.. وفي.. 

وقس على ذلك ما شاء لك القياس.. وهنا تتجلى أكبر إشكالية فكرية ألا وهي (قياس الشاهد على الغائب)، هذه قاعدة قعد لها المنظرون حتى قضمت ظهر عملية التطور والتقدم في مجالات الحياة!

علميا.. يشير العلماء إلى ظاهرة الحنين إلى الماضي بأنها حالة “نوستالجيا”… وهي “الحنين إلى ماضٍ مثالي” أو هي حالة عاطفية نصنعها نحن في إطارٍ معين وفي أوقات وأماكن معينة، أو يمكن وصفها بأنها عملية يتم فيها استرجاع مشاعر عابرة ولحظات سعيدة من الذاكرة وطرد جميع اللحظات السلبية، والجدير بالذكر أن نسبة 80% من الناس يشعرون بالنوستالجيا مرة على الأقل أسبوعياً!

ويقول الخبراء في هذا السياق إن “النوستالجيا” هي آلية دفاع يستخدمها العقل لرفع المزاج وتحسين الحالة النفسية، لذا فإنها تكثر في حالات الملل أو الشعور بالوحدة خاصة عند كبار السن، أي عند شعور الإنسان بأن حياته فقدت قيمتها وأصبحت تتغير للأسوأ، فيقوم العقل باستدعاء ذكريات الماضي الطيبة بدفئها وعواطفها، فتعطيه تلك الذكريات الدفعة التي يحتاجها للتعامل مع التحديات الحالية، فكما يقولون إن الماضي هو “قوت الأموات”، فالنوستالجيا هي مورد نفسي يهبط فيه الناس ليستعيدوا حياتهم ويشعروا بقيمتهم، وهي من السبل الناجحة في صد الاكتئاب “وقتياً”، فتشعر بأن حياتك البائسة كانت ذات قيمةٍ “يوماً ما”.(!!).

استقطبت هذه الظاهرة المستمرة اهتمام العلماء فدرسوا الشعور بالحنين للماضي ووجدوا أن لهذا الشعور وظيفة إيجابية؛ إذ إنه يحسن الحالة المزاجية، وربما الصحة النفسية أيضًا؛ فقد ألقت دراسة جديدة بالضوء على فائدة الشعور بالحنين للماضي، وتوصلت إلى أن هذا الشعور لا يحبسنا في الماضي، بل إنه في الواقع يرفع من معنوياتنا وشعورنا بالحيوية كما يقول الباحث بقلم ماثيو هيوستون عن (فائدة الحنين إلى الماضي)، وقد أوضح كونستانتين سيديكايدس -عالِم نفس في جامعة ساوثهامبتون في إنجلترا، ومؤلف لدراسة نُشرت مؤخرًا في دورية “إيموشن”- هذا الأثر في دراسة أجراها في عام 2015. ولكن في هذه الدراسة، وجد الباحث أن الشعور بالحنين للماضي يعزز من الإحساس بالاستمرارية الذاتية عن طريق زيادة الإحساس بالترابط الاجتماعي؛ إذ إن الذكريات العاطفية غالبًا ما تضم أحباءنا، وهو ما يمكن أن يذكرنا بشبكة اجتماعية تمتد لتشمل الكثير من الناس عبر العديد من الفترات الزمنية.

[ad_2]

Sorry! The Author has not filled his profile.
×
Sorry! The Author has not filled his profile.
Latest Posts

Comment here